وماذا عن الانانية والانانيين
شمعون كوساكلما انتهيتُ من موضوع أقول في نفسي : لربّما تكون هذه آخر أحرفٍ ينثرها يراعي على الورق ، لاني في كل مرة أجدُ نفسي حائرا في ما سوف اكتبُه في مقال قادم. وبعض مرات انتهي بتوجيه اللوم لنفسي قائلا : لقد تكلمتَ كثيراً يا هذا عن الاخلاق والعادات ، ومن أقامكَ وصيّاً على المجتمع ، دَعِ الناس وشأنهم ، وهل انت مرشد روحي أم مصلح اجتماعي أم رجل دين ؟ غير أني في البَين الذي يفصلني بين مقالين ، تـُلفت نظري ، بالرغم عني ، أشياءُ اقرأها او أشاهدها او اسمع عنها. وفي أغلب الاحيان اجد في هذه الظواهر ، عيوبا تمسّني انا ايضا ، فاتناولها في مقال . وبهذا الخصوص اريد ان أقول عابراً ، بان لكل منا عيوبه ، وقـَدَرُ الانسان ان يكون خليقة ضعيفة لانها غير كاملة. فالعبرة في استخلاص الدروس. لانه ليس هناك مجتمع منزّه ، فالانسان بالرغم من نواياه واستعداداته الحسنة ، يبقي معرّضا لاخطاء تتكرر يوميا . كم من توبة وتوبة عقبتها خطايا ، واذا كان قد افلح ، عرَضاً ، أوّلُ فعل ندامةٍ في إصلاح المجتمع جذريا واستئصال الشرّ من أصوله في العالم ، لكانت قد تحولت الارض الى جنة ، ولكان ساكنوها الراحلون منذ ألفٍ او مليون عام قد قرروا العودة اليها ، مدفوعين لذلك بحنينهم الى العيش في صحوها هذا الجميل !!!
أما اليوم ، فاني عثرت على ضالتي في قراءتي لقصة قصيرة مسليّة أرسلها لي صديق على النحو التالي :
وقع رجل ضحية صاعقة أودت بحياته وحياة كلب وحصان كانا يرافقانه. متوهّماً بانه لا زال على قيد الحياة ، قام الرجل بمتابعة سيره بمعية الحيوانين ، فوجد نفسه في طريق صحراوي ثراه رمل حارق وثريّاه شمس عمودية الاشعة. بعد مسيرة شاقة جداً، أبصر الرجل المائت ممرّا جميلا يقود الى قصر جميل فخم . فهرع اليه مسرعا وبادر الحارس بالسؤال : ما اسم هذا المكان ؟ فاجابه الحارس : انها الجنة. فانفرجت اسارير أخينا وقال : واخيراً نجونا ، واستأذن الحارسَ بالدخول لارواء عطشه مع حيواناته. أذِن له الحارس بالدخول وقال : إنهلْ ما طاب لك من الماء ، ولكن حيواناتك يُمنع دخولها. فتوقف الرجل على الفور وأدار ظهره لجنـّة تحرمُ المخلوقات من إرواء عطشها . واستأنف سيره باتجاه جديد ، وبعد ساعات طويلة ، لمح صاحبنا من بعيد واحة خضراء توهـّمها لاول وهلة سرابا ، ولكنه بعد فرك عينيه مطولا رأى الموقع ثابتاً في مكانه ، فغـذّ السير إليه . قوبل الموكبُ اللاهث بحفاوة من قبل رجل يرتدي قبعة جميلة . لشدّة عطشه ، نسي صاحبنا ان يلقي التحية وخرّ على قدمي الرجل طالبا الماء . فاشار اليه الرجل بالدخول حالا واضاف : لا تنسَ الكلب والحصان ، وارجع الينا كلما احتجت الى ارواء ظمئك انت ورفيقيك . بعد انتهاء صاحبنا من شرب الماء ، سأل القيّم على الواحة: بالله عليك ألا تقول لي ما اسم هذا المكان ؟ فاجابه :هذه هي الجنة. فاستغرب صاحبنا من جوابه وقال : وكيف كذب علينا رجل التقيناه قبلك بان السماء هناك عندهم ؟ فاجاب بواب الجنة مبتسما : انّ ما رايته هناك ليس غير جهنم. فاستطرد صاحبنا : ولماذا يستخدمون اسم الجنة ، وكيف لا تمنعونهم من ذلك ؟ فاجابه: اننا لن نقوم أبدا بذلك ، انّ هؤلاء يقدّمون لنا خدمة كبيرة لانهم يريحوننا من الانانيين ، مِمّن لا يفكرون الا بانفسهم ، ولهم استعداد التخلي عن اصدقائهم ، فهؤلاء لا مكان لهم عندنا.
عِبرة هذا الحديث الذي طال رغما عني ، نستخلصها في تصرف صاحب الكلب والحصان الذي لم يَنقَـَد للانانية ، وآثر الموت على أرواء ضمِئه دون رفيقـَي دربه ، بالرغم من كونهما حيواناتٍ كان يتخلّى غيرُه عنها بسهولة.
نبدأ بالقول بان الانانية هي حب النفس المبالغ به. حبّ ينغلق على نفسه ، حبّ يعتكف وينزوي وينسى الغير كليّاً، حبّ يريد كل شئ لنفسه.
ومن جهة اخرى نقول ، ليس كلّ حبّ للذات أنانية. لان حب الذات اساس للتوصل الى حب الغير. كيف نستطيع مثلا ان نحب الاخرين اذا لم نجرب حبّ نفسنا ونعيشه ، وأن نعي لذاتنا ومصلحتنا ولذوينا ؟ ألا تقول الوصايا أحبّ قريبك مثل نفسك؟ اعني يجب ان احبَّ نفسي لكي اعرف كيف احبّ قريبي.
فالانانية عيب في التصرف. انه الاكتفاء بالأنا دون ترك أيّ مجال للاخر. الاناني يهتم بشخصه فقط وبالامور التي تخصه. يريد امتلاك كل ما تقع عليه انظاره دون ترك اي شئ للاخرين وكأنه شمس قد كرست الارض دورانها له. شدة حبّه لنفسه يمنعه عن الانفتاح على الغير. انه لا يحب الاصدقاء واذا حدث وان عقد علاقة ما ، فيجب الاستنتاج بان من ورائها مكسب او مصلحة او متعة.
يقال بان الانانية تجد جذورها في حبّ ناقص في نشأة الطفل يمنعه عن اكتساب الثقة بالنفس. لم يشبع الطفل حبّا لكي يفيض به على الاخرين. إن الانسان بطبيعته يحب ذاته ، يرغب في الحصول على طعام لذيذ ، وسكن مريح ، واهتمام كاف من الذين يحيطون به ، وهذا طبيعي وهذه شريعة الحياة. فبعد حصول الطفل او المرء بصورة عامة على هذا الحدّ الكافي من الاهتمام ، يبلغ درجة الاستقلالية ، وهذا يتيح له الانفتاح شيئا فشيئا على محيط يتوسع تدريجيا.
أمّا الاناني هو من ليس لديه هذا الفائض وهذه الاستقلالية ، لذا تراه دوما يطلب ، يأخذ ولا يشبع.
معالجة هذا العيب بالنسبة للاطفال هو تعويدهم على الاعطاء حتى اذا كانت البداية بحاجات بسيطة جدا. يجب ايضا ان يعاشر الطفل اصدقاء نشأوا على الكرم والانفتاح على الغير ، كما يجب حَملـُهُ وباستمرار على احترام الاخرين .
وبما اننا ننتهي دوما بالقاء نظرة على مجتمعنا الذي نحن من إحدى مكوناته ، نقول : أن نمط الانانية المتفشية فينا تختلف عن حالات نفسية سهلة ، لان الامور اكثر تعقيدا. لقد اضحى الناس منغلقين على انفسهم والكل يقول انا وليس غيري. نريد الاموال والمساكن والسيارات والمناصب لنفسنا فقط ، وإن آخر همومنا هو التفكير في الغير ، جاراً كان ، قريباً أم غريباً .
هل هذا الاعوجاج متأتٍّ من تراجع القيم ؟ أم هل هذا التصرف نتيجـة لظروف حملتنا ، رغم انوفنا، على تقديم التضحية تلو التتضحية منذ انفتاح زهرة شبابنا الى يوم ذبولها ، وكل ذلك من اجل اهداف لم نتمكن يوما من التعاطف معها ولم يكن لدينا أيّة ذرّة ايمان بها ؟ أم ان الامر راجع لحرمان كبير تعرض له الناس ، حيث افتقروا لفترات طويلة لابسط الحاجات الاساسية ، كأنْ يكون البلد النفطي ينقصه الغاز والوقود والاضاءة ، وان يغدو البد الغني أرضا قاحلة تشكو من شحة كبيرة في كافة السلع الاساسية ، فتعوّد الناس الوقوف في الطوابير حتى لحاجات يجهلونها !!!
اني اتكلم هنا عن ازمنة ولّت عشتها شخصيا، ولو إن الامر لا يختلف كثيرا الان في معظم جوانبه. قد تكون هذه الاسباب هي التي أدّت الى انطواء الناس على مصالحم والخلود الى انانيتهم. ولكن نقول دوما ، وبالرغم من كل شئ ، يجب الرجوع الى الذات في فحصٍ للضمير ، والتوجه بعد ذلك الى المنابع العليا لاستقاء الاصالة والصفاء ، لا سيما وان عناوين هذه المنابع ومواقعها لا تبعد كثيرا عن ضمائرنا !!