أهلا, زائر. الرجاء الدخول أو التسجيل
Sep 07, 2010, 07:51

تسجيل الدخول باسم المستخدم، كلمة المرور و مدة الجلسة


بداية تعليمات بحث دخول تسجيل
+  منتديات شقلاوا
|-+  الخدمة الاخبارية
| |-+  المقالات بأقلام كتابنا
| | |-+  عن الوفاء والانسان الوفي
« قبل بعد »
صفحات: [1] طباعة
الكاتب موضوع: عن الوفاء والانسان الوفي  (شوهد 313 مرات)
Simon Kossa
عضو مشارك
**
رسائل: 79



مشاهدة الملف الشخصى البريد
« في: Jun 23, 2010, 03:35 »

عن الوفاء والانسان الوفي   

شمعون كوسا


قبل فترة تلقيت مكالمة من شخص لم أكن على سابق عهد به ، فقدّم لي نفسه وقال : لقد اطّلعت على مجمل ما كتبته من مواضيع عن صفات حميدة وعادات ذميمة في المجتمع ، وانتظرت طويلا كي اراك يوما تكتب عن موضوع مهمّ يعنيني كثيرا وهو الوفاء. اثارت ملاحظته هذه انتباهي وخلقت لديّ فضولاً لمعرفة اسباب طلبه الذي أحسست به مُلِحّا وكأنّ وراءَهُ  قصة او حدث غير مالوف . لم يُمهلني مخاطبي كثيرا في إشباع فضولي وبدأ بسرد قصة حب عارم جدا ، قصة فريدة من نوعها ، بوسعنا اختصارها بجملتين : أخلّ احد الطرفين بوعده ، وبقى الطرف الاخر لثلاثة عقود ونيّف من الزمن وفيّا لعهدٍ حافظ عليه كذخيرة مقدسة ، وظلّ ملتزما  بهذا الوعد بالرغم من تقلبات الدهر وكثرة المغرَيات . كان قد بدأ صاحبي حديثة برباطة جأش محاولاً عدم الانزلاق الى وادي العاطفة ، غير انه لم يتمالك نفسه ، واحسستُ بذلك من محاولاته المستميتة لإيقافَ ما سال من دموعه داخل مسالك الخياشيم ، بالنخير والنـّشق والاستنشاق ولاكثر من مرّة . فتخيلت أول غيثه دمعتين ساخنتين أبتا السقوط  ، كمحاولةٍ مستميتة  لسيطرة اخرىعلى النفس ولكنها لم تستغرق طويلا ، فارتجف صوته واجهش بالبكاء . وبعد ان استعاد صوته قال : من المؤلم ان تحبّ بصدق ، وتقدم التضحية بصدق ، وتنصدم بنهاية تخيب الامل .
لم اعرف هل كان هذا تقريعَ ضمير او شعوراً بالندم ، أم مجرّد  رهبة  أمام حالة وفاء فاقت بسموّها كل الحدود ،  فلم يجد لها تعبيرا آخر غير العبرات !!!!

بعد هذا الحديث المأساوي ، أبتدأ بالقول  بان الوفاء من بين الصفات والمبادئ السامية جدا في حياة الانسان. انها من الخصائل التي تعتبر ركنا اساسيا لكثير من الفضائل. انها من المكونات الجوهرية للحب والاخلاص والصداقة والامانة والشجاعة والشرف. اقول ايضا بانها الهيكل الذي يدعم جدران اغلبية المبادئ السامية. فاذا اختفى الوفاء مثلا عن الصداقة ، سينقصم ظهرها وتنهار ، وماذا نقول عن حب يفتقر الى الوفاء ، هل هناك وجود للحب دون الوفاء ، أنا أصلاً اعتبر الوفاء مرادفا للحب. وماذا أيضا عن الامانة وماذا عن الشجاعة وماذا عن الشرف ، هل سيقاوم بنيانها دون الوفاء ، وهل يُعقل ان يُنعت انسان بالشريف دون ان يكون وفيـّاُ ،  وهكذا .
لقد نسيت نفسي ، ها إني في نهاية الصفحة دون التفكير بتعريف الوفاء ، مُعتبراً هذا التعريف تحصيل حاصل. في التحدث عن الوفاء يجب ان نبدأ بالقول بانها صفة مميزة تـُطلـَق على شخص يحترم وعده ويرعى عهده. إنها مزيّة الانسان الملتزم بكلامٍٍ قطعه على نفسه وراهن عليه بشرفه. الوفاءُ شيمة من ينفـّذ الوعد بالرغم من كافة الصعوبات التي تعترضه ودون الاكتراث بالتضحيات التي تترتب عليه. الوفاءُ كاليمين والوصية لا يتحمل الخيانة ولا الكذب. الوفاءُ يتداخل مع أغلب خصائل الانسان وصفاته الحميدة ، كم مرّة نسمع في النهار احاديث مدح ، في شتى المجالات ، عن فلان وفلان بالقول : الحقّ يقال إن فلاناً انسانُ وفيّ ،  وليس كفلان الذي ينكث بوعده ولا يلتزم بعهده .

الوفاء كالصداقة ، طريق محفوفة بالمخاطر ، والالتزام بها يضع الانسان أحيانا في مآزق لا منفذ منها الا بالتضحيات . ويسري على الوفاء ما قيل عن الصداقة : فاذا كان الصديق عند الضيق ، فيكون الوفاء في السرّاء والضرّاء.

أمّا عن انواع الوفاء فنقول . أسمى وفاء هو وفاء الحب والصداقة . هناك وفاء للوطن . هناك وفاء للوالدين ، عهد لا بدّ ان يقوم به الاولاد تجاه الوالدين ، وبالمقابل هناك وفاءالابوّة  تجاه الاولاد ، وهذا ايضا شعور تلقائي ، إذ تندرالحالات عن إخلال الوالدين بالوفاء تجاه اولادهم . هناك ايضا الوفاء للعمل واحترام متطلباته. هناك وفاء لاستحقاقات الديون ، قد تدخل بعض هذه الاستحقاقات في سياق عقود مبرمة يجب احترام بنودها ، ولكن بعضها الاخر مجرد وعد شفوي قد يستغله بعض المدينين لتأخير التسديد. هناك اشخاص يتباهون بمقدرتهم على تأخير الديون وعدم الالتزام بالوعود الشفوية. وفي مجال الاكليروس والراهبات ، هناك وفاء لنذور اعلنت او عهود قطعت لدى تقبّل بعض الدرجات الكهنوتية .
كما يعني الوفاء ايضا المحاقظة على اسرار الاصدقاء والاقربين ومَن تربطنا بهم صلات خاصة.  انا اقول ، مفهوم الوفاء ومتطلباته تكاد تدخل في كافة مجالات الحياة ، لان الوفاء استقامة واخلاص وحب وصدق ونزاهة وشرف وكل شئ.

من المؤسف جدا ان نلاحظ مجتمعنا الحالي وقد حفر هاوية بينه وبين هذه الصفة الاساسية في الاخلاق ، هاوية هي في اتساع مطّرد . لقد ابتعد الانسان عن الوفاء بسبب انانيته وتكالبه على المصلحة الخاصة التي لا تجد نعيمها الا برفقة  التحايل والكذب . يفقد الانسان وفاءه عندما تكون المادة على رأس اولوياته. يترك كل عهد وينسي كل وعد او كلمة شرف امام اول عرض أوفر او مبلغ مالٍ لا شرط له على الباحثين عنه  غير نسيان الوعد ونكران العهد. ينسى الانسان االوفاء اذا حصر اهتمامه بشخصه وبانانيته ،كما يحدث في حالات عدم الوفاء في الحب. فالانسان الاناني يُخل  ّبوعد  قطعه لشريكة حياته لدى اول لقاء مع فتاة اجمل ، او اصغر سنّا ، او اكثر ثراءً ، او اشهر نسباً. فالمصلحة والانانية لم تتركا مجالا للوفاء. لذا نقول بان الوفاء غدا في عصرنا مجرد لفظة نظرية يُجمع الناس على وصفها بالمبدأ السامي والقيمة الاخلاقية العالية ، ويتوقف الموضوع عند التعريف والاعجاب النظري ، لان التنفيذ غريب عن عالم الوفاء ومناقض له،  ولانّ الوفاء لا يقوى على السكوت ويصرخ عاليا ويفضح ، لا يرغب مناوؤه قراءته إلا في القواميس  .

اريد ان انهي الموضوع بسرد حديثين أو مثلين مقتضبين ، الاول عن عدم الوفاء والثاني عن الوفاء.
قد سمع الكثيرون عن عرقوب ووعوده. وعرقوب هو إعرابي من عمالقة بني شمس . يقال بانه قصده يوما اخوه في حاجة ، فوعده عرقوب قائلا : ساقوم بذلك عندما يُطلِع نخلي (اي عند موسم الطلع) . فلما اطلع النخل قال له : اذا ابلح ، وبعد البلح اتاه اخوه فقال له : سافعل عندما يُزهي النخل ، ولما ازهى النخل اعطاه وعدا آخر قائلا : عندما يُرطب النخل، وعندما أرطب قال له : اذا صار تمرا. وعندما صار تمرا وقبل ان يأتي اخوه حسب الموعد ، قام عرقوب بقطع التمر ، وتنصل من وعده ولم يعطِه شيئا. ولاجل هذا يُضرب المثل به عندما يقال : وعد عرقوب او هذه مواعيد عرقوب.
والمثل الثاني قرأته قبل فترة عن رجل عجوز كان جالسا مع اصدقائه . عندما هَمّ  بالخروج ومغادرة المجلس ، سأله اصحابه الى اين انت ذاهب ، فاجابهم : لي موعد مع زوجتي في دار المسنين ، وهي مصابة بداء الزهايمر (فقدان الذاكرة) . قالوا له ولماذا تعجّل في زيارتك ، هل ستتعرف عليك زوجتك عندما تراك ، قال لهم كلا ، فقالوا له وما الفائدة من زيارتك اذن وما معناها ؟  فاجابهم بهدوء ووقار : زوجتي المريضة لا تعرفني ولكني أنا اعرفها لانها زوجتي.  كلام بليع جدا ومحمّل  بمعاني قيّمة عن الوفاء.

kossa_simon@hotmail.com


« آخر تحرير: Jun 24, 2010, 04:36 بواسطة Sabah Yalda » سجل
صفحات: [1] طباعة 
« قبل بعد »
انتقل إلى:  






<< Copyright 2010 Shaqlawa dot com - All Rights Reserved
Designed, coded and hosted by OzWebHotel

 

مدعوم بواسطة MySQL مدعوم بواسطة PHP Powered by SMF 1.1.11 | SMF © 2006-2008, Simple Machines LLC XHTML 1.0 صالح! CSS صالح!