تحقيق حلم طفل مريض – شمعون كوسا

تحقيق حلم طفل مريض
شمعون كوسا

في مساء احد الايام ، عند مشارف أعياد الميلاد ورأس السنة ، طرق بابَنا أحدُ رجال الاطفاء حاملا معه التقويم الجديد الذي تصدره دائرته كل سنة لإبراز مختلف نشاطاتها في المدينة . كان الشابُ ، ذو البدلة الانيقة ، معروفاً لدينا فدعوناه لارتشاف فنجان قهوة . بعد ان تحدثنا قليلا عن امور الساعة ، اعربنا لزائرنا الكريم عن اعجابنا الصادق بما يقوم به رجال الاطفاء الذين ، بالاضافة الى اطفاء الحرائق ، يقومون باسعاف المرضى والمنكوبين ويلبّون نداء كل من يحتاج اليهم في حادث او موقف صعب . لم أشأ ان ينتهيَ لقاؤنا دون ان أذكر له ايضا بان هندام رجل الاطفاء ، يجذب الشباب وبصورة خاصة الاطفال ، ناهيك عن شجاعته التي هي موضع اعجاب الجميع. هنا التفت إليّ رجل الاطفاء وقال : كلامك عن الاطفال وإعجابهم أعاد الى أذهاني قصة حقيقية مؤثرة أودّ ان ارويَها لكم ، فهي تقول :
كان لامرأةٍ شابة ترمّلت حديثا ، ولد صغير يدعى بيلي . كان الطفل ، ذو السنوات الستّ ، مصابا بمرض اللوكيميا ، وكان الاطباء قد كشفوا لوالدته منطوق الحكم الجائر الصادر بحقه ، لقد كانوا قد أسرّوا اليها بأن العدّ التنازلي كان قد ابتدأ ، لانهم استنفذوا كافة وسائلهم لانقاذه . كانت الام تُمضي ايامها بقرب طفلها الوحيد ، وعند كل التفاتة اليه كان قلبها يتأجج نارا ونفسها تزداد انكسارا . كان جلّ مناها ان ترى ابنها ينمو أمامها ويحقق احلامه ، ولكنها بعد أن سمعت الاطباء ، تحوّلت امنيتها الى حسرات وآهات . غير أن رغبتها العارمة في إسعاد ابنها بالرغم من الاقدار، دعتها الى مفاتحته في أمر . دنت الام من سرير بيلي وامسكت بيده وقالت له بصوت يفيض حنانا : يا ابني هل حلمت يوما في حياتك وفكرت بماذا تتمناه لنفسك في المستقبل ؟ اجابها الطفل مبتسما وقال دون تردّد : لقد حلمت دوما ان اصبح رجل اطفاء .
بادلته امه الابتسامة وقالت : لِنرَ ما الذي بوسعنا القيام به لك في هذا الخصوص . في وقتٍ متأخر من نفس اليوم ، إتجهت الام الى دائرة الاطفاء والتقت احد المسؤولين وشرحت له رغبة طفلها الأخيرة ، متوسلة اليه إيجاد امكانية لتنظيم جولة في المدينة يرى بيلي نفسه راكباً سيارة الاطفاء ويشعرَ بانه رجل اطفاء ولو لوقت قصير . تأثر المسؤول بكلامها وقال : سنقوم بما هو أفضل من ذلك . أطلبُ منك أن تهيئي ابنك لاننا سنأتي بعد ثلاثة ايام ونأخذه ليُمضي معنا النهار باكمله كرجل اطفاء فخري . سيكون بيلي معنا ويخرج في كل مهمة تُوكل الينا في ذلك النهار . ولكي ازيد الطفل سعادةً ، أرجو تزويدي بمقاسات ثيابه ، كي اوصي خياطنا بتفصيل بزّة رسمية على مقاسه ، كما سيتم تجهيزه بالمعطف الاخضر والخوذة والاحذية الخاصة برجل الاطفاء ، وكل هذا سينفذّ بسرعة البرق .
في اليوم المتفق عليه ، إتّجه مسؤول الاطفاء الى المستشفى حيث يرقد بيلي . قام بإكسائه بدلة الاطفاء الجميلة ، وأخرجه من سرير المستشفى الى سيارة الاطفاء . جلس بيلي خلف سيارة الاطفاء غير مصدق نفسه ، كان وجهه الشاحب يشع حيوية وسعادة . تلقّى فوج الاطفاء في ذلك اليوم ثلاث نداءات مختلفة ، وفي المرّات الثلاث ، كان رجل الاطفاء الجديد في السيارة بجانب الممرضة ، ينصت بانشراح لصافرات الانذار المدوّية . يُقال بان التلفزيون المحلّي نقل نشاطات فريق الاطفاء لذلك اليوم .
عملية اشتراك بيلي مع فريق الاطفاء أرجأت قليلا من سرعة العدّ التنازلي ، غير ان المرض اللعين كان قد أغلق منافذ النجاة . ففي اليوم الذي بدأت علامات الحياة بالانتقاص ، رأت الممرضة التي كانت ترافق بيلي بانه لا يجب ان يفارق الطفل الحياة معزولا ، فقامت بدعوة افراد عائلته ، وحين تذكرت بان بيلي كان قد اصبح رجل اطفاء فخري ، اتصلت بقسم الاطفاء وطلبت حضور ممثل منهم بزيّ رسمي لكي يمسك بيد بيلي وهو ينازع . ردّ عليها المسؤول قائلا : سنقوم هذه المرّة ايضا بما هو افضل ، لاننا سنقوم بتنفيذ عملية خلال ربع ساعة ، وكل ما نطلبه منك هو مساعدتنا في ابلاغ المسؤولين عن نوايانا لاننا سندخل المستشفى بعملية وهمية ، وكاننا في تنفيذ عملية حقيقية . إننا قادمون لزيارة احد اعضاء فريقنا ، وسندخل غرفته من النافذة .
وفعلا تمّ ذلك كما خُطّط له ، بعد ربع ساعة قدمت سيارة الاطفاء مع صافرات انذارها وتوقفت امام المستشفى , رُفع سلّم الاطفاء الى مستوى غرفة المريض في الطابق الثالث . تسلق ستةَ عشرَ رجل اطفاء السلم ودخلوا غرفة المريض من النافذة . بعد استئذان والدته ، ضمّوا بيلي المريض الى صدورهم كي يعربوا له عن حبهم . بجهد كبير رفع بيلي عينيه نحو رئيس الفريق وقال : يا سيدي ، هل انا فعلا رجل اطفاء الان ؟ وجّه اليه الرئيس تحية الاطفاء الرسمية وقال له : انك رجل اطفاء حقيقي وها انك ترى اعضاء الفريق باكمله قادمين لاداء واجبهم نحو زميلهم بيلي .
مع هذه الكلمات ، ارتسمت على وجه الطفل ، ولاول مرّة ، ابتسامة خاصة ، كانت ابتسامة عريضة تلقائية تعبر عن القمة التي بلغها في سعادته . فارق بيلي الحياة بجسم نحيل ولكن بثغر مبتسم لانه كان قد حقق حلمه في ان يصبح رجل اطفاء . لفظ انفاسه الاخيرة وهو ممسك بيد رئيس فريق الاطفاء ، وطار محمولا الى الاعالي على اجنحة رجال اطفاء اكتسوا بدلات بيضاء .
بعد سرد قصته ، همّ زائرنا بالمغادرة ، رفع يده بصمت وخرج . أما نحن لشدة تأثرنا ، لم نقوّ على مرافقته الى الباب الخارجي ، لاننا كنا نعالج عبرات ساخنة لم تكن قد انهت تناثرها.
ان المرض عند البالغين محنة ولكنه عند الطفل ظلم . طوبى اذن لمن أدخل الفرح الى نفس طفل ، والف طوبى لم افلح في فتح نوافذ طفل آخر حكم عليه المرض ووضعه في زنزانة مغلقة .

أضف تعليقك