العمة وارينة أو أمتوُ وارينه – شمعون كوسا

العمة وارينة أو أمتوُ وارينه
شمعون كوسا

يحلو لي ان أكرر كل مرة وبصيغة مختلفة بأن ما اقوم به في تناولي لجوانب من شخصيات عامة من اهالي شقلاوة ، هو مجرد إرجاع عقارب الساعة ، على قدر الامكان ، لبعض عقود من السنوات لإنعاش ذاكرة الكهول او من تقدم بهم السنّ ، ممّن يلذّ لهم العودة الى أزمنة كانت تسود فيها المودة والبساطة والفرح الحقيقي ، وأيضا لجعلهم ينسـجون ذكريات اخرى يحتفظون فيها لتلك الفترة ، لانه كما يقال : الشيء بالشيء يذكر ، وهدفي هو ايضا إطلاع الراغبين من شباب عصرنا على القيم السامية التي حملها اشخاص من بني جلدتهم .
ان الكتابة في هذا المجال يُغريني اكثر من التحليل والتنظير أو التطرق الى الاوضاع السياسية الراهنة ، لان السياسة باتت الان في متناول ابسط الناس ، أمور اختلط فيها الحابل بالنابل الى حدّ استحالة التمييز بين الزيف والاصالة والكذب والصدق والنفاق والحقيقة والاستقامة والاعوجاج . انها مواضيع غدت مُمِلّة لانتهائها دوما بذات النتائج ، ولكن بثوب مختلف .

اريد ان اتناول اليوم في مقالاتي عن شخصيات شقلاوا أول امرأة شقلاوية ، امرأة أعتبرُها شخصيا ، في بعض جوانبها ، رمزاً لنساء شقلاوا في زمانها ، امرأة عاشت حياتها بنقاء وصدق ومحبة وبساطة ، انها (أمتو وارينه) التي عكست داخلها الصادق والنقي وطيبتها بين اهل شقلاوا دون استثناء ، اذ واكبت كل قرد منهم في افراحه واحزانه وتقلبات حياته .

انها (أمتو وارينه) التي ، بعد قضاء فترة قصيرة في دير راهبات الكلدان ، آثرت العيش كبتول بين الناس ، بين ظهرانيها. نذرت نفسها للعيش مع اقاربها وسط اهل شقلاوة . كان بوسعها الاستمرار في دير يؤمّن لها الحياة والمعيشة والمستقبل ويعفيها من أية مسؤولية في الحياة ، ويجنّبها المشقات ، وبالاضافة الى ذلك يقطع لها كثيرا من الوعود حتي الدنيوية منها ، كما يحدث الان : السفر الى الخارج ومنح امتيازات اخرى ، ولكنها اختارت نصيبها في حياة فقيرة لا تخلو من العناء والتعب وتحتاج الى قدر كبير من الصبر . اختارت العيش بعرق جبينها ، فزاولت لفترة من الزمن الحياكة والنسيج ، وتفرغت بعد ذلك لمساعدة اهلها وكسب عيشها معهم والى جوانبهم .

عوضاً عن عبادة الله في الانزواء داخل الدير، نذرت نفسها لخدمة الله خارج الدير ومن خلال الناس، وكأنّي بها كانت تبصر وجه الله أو شخص المسيح في كل شخص تلقاه . ألا يقول العهد القديم بهذا الشأن : لقد خلق الله الانسان على صورته ومثاله ؟ وألم يقل المسيح في العهد الجديد ، انجيل متى : كلّ مرة فعلتم هذا لاحد اخوتي الصغار فلي فعلتموه ( زيارة المريض وتفقد السجين واسقاء العطشان…).
كانت فعلاً دائمة الحضور في كافة المناسبات وخصوصا الصعبة منها . تزور المريض وتشرع بالصلاة في بيته فيشترك معها كافة افراد العائلة ، ترافق منكسري القلوب وتواسيهم ، والحق يقال حضورها كان يبعث الطمأنينة في قلوب الناس . كانت تعرف الجميع والجميع يعرفونها وتعتبرهم كلّهم اخوتَها واخواتِها اوابناءها ، لا يمرّ شخص امامها دون الترحيب به والاستفسار عن اخباره واحواله بابتسامة عريضة كلها طيبة وحنان ، ابتسامة مستديمة تزداد انشراحاً كلّما توسعت رقعة لقاءاتها .

كان يسمّيها الناس (سته دتّه) أي المعلمة او الاستاذة لانها كانت تعلّم البنات والنساء التعليمَ المسيحي والصلواتِ ، وكنّا نسمع الكثيرات من هؤلاء النساء يذكرن أحياناً مصادرَهن في الاجابة على سؤال ديني بالقول : هكذا كانت تقول (سته دتّة) .

كانت مواضبةً على إداء الفروض الدينية اليومية ، كما كانت تصلي خارج اوقات الفروض ولا سيما صلاة الوردية ، بحيث ان صورة (أمتو وارينة ) لم تكن تكتمل الا برؤيتها مع مسبحة الوردية بين يديها . غالباً ما كنتَ تراها متجهة بعد الصلاة الى منطقة شوخان حيث كروم العنب ، تصلي الوردية إمّا مع مجموعة من النساء أو اذا تعذر الامر ، على الاقل مع (اشه كوجى) التي لم تكن تفارقها وكانت بمثابة سكرتيرة لها .

كان لِـ (أمتو وارينه) صوت جميل تتخلله نبرات شجن ممزوجة بكثير من الحنان . لم تكن تُطلقه كثيرا ولكني سمعتُها شخصيا وأ عجبت بها كثيرا . سمعتُها وهي ترنم لحن (آله ها دكمّه رئيله ي) ، انها كلمات تتحدث عن سيرة القديسين والشهداء الاوائل الذين تركوا العالم وأيضا عن الفضائل المسيحية والخصائل التي ازدانوا بها . انها كلمات لم اسمعها أنا شخصيا خارج شقلاوة ولحن خاص لم تتشنّف به آذاني الا في شقلاوا . أمّا ، عن المؤلف وهوية الملحن ، فهذا مجال آخر يستحق البحث والاستقصاء.
ومن البديهي انها كانت تجيد اغلب تراتيل كتاب (داويذ كورا) للالحان بالسورث ، مثل )شمّد بابا وبرونه( ، و)خيتت صليوا كبه خيه( ، و)مشتاقيون من من لبّا ( وغيرها ، وهي تراتيل جماعية تتناوب فيها عادة جوقتان او يؤديها شخصان .

غير أنّ ، أمتو وارينه ، كسائر الناس كانت تقلق وتغضب ، ولكن كما يقول بولس الرسول ، لم يكن يغرب الشمس على غضبها . أتذكرُ مرة في منتصف الستينات ، كنّا قد ذهبنا بمعيّة القس فرنسيس شير، وهو ابن احيها ، الى قمة جبل سفين ، بدعوة من بعض الضباط المرابطين هناك ، للعب كرة القدم . تأخرنا في العودة مساءً لاسباب خارجة عن ارادتنا ، فكان هذا قد سبب قلقا كبيرا بين بعض الناس ووضَعَهُم في حالة انذار ، بما فيهم أمتو ورارينه التي كانت تنتظر على أحرّ من الجمر عند سفح الجبل. عند وصولنا الى شارع ما ريوحنا ، بادرتنا أمتو وارينة بشئ من الحدّة والتأنيب : هل قد وصلتم اخيرا ؟ فاجابها احد مرافقي القس فرنسيس مبادلا اياها نفس النبرة : كلاّ لم نصل !!! اعتقد بان الجواب لم يعجبها كثيراً .

كما اتذكر لها أيضا مشهداً مضحكا مبكيا ، رأيتها أحد الايام بعد صلاة الرمش وهي ممتدة على الارض عند جدار الكنيسة، ومام بنيامين قد انقضّ عليها يهمّ بخلع احد اسنانها بآلة (كلاّبتين) ، آلة أستغربُ جدا امكانية استخدامها في ايامنا هذه لمعالجة البشر ، وكانت تتمّ هذه العملية اللطيفة دون تخدير او استخدام اي مهدّئ ، فتخيلوا الشجاعة ورباطة الجأش اللتين كانت تحتاج اليهما الضحية المتورطة بين يدي مام بنيامين وعٌدّدِهِ القديمة .
لقد تكلمتُ عن امرأة نالت اعجاب الناس وتقديرهم العميق ، وهنا اختتم حديثي كما فعلت للشخصيات الشقلاوية العامة قائلا : لقد عرف الناسُ أمتو وارينه، وما ذكرتُه انا ليس الا غيضا من فيض ، وفي يقيني ان غيري يعرف امورا كثيرة اخرى عنها ولكني رغبت التركيز، في المقام الاول، على الصفات الحميدة التي تحلّت بها ، كالزهد والصفاء والطيبة والحياة البسيطة، وهذا باعتقادي أمر بالغ الاهمية .

أضف تعليقك