نصـائحُ أبـي – شمعون كوسا

نصـائحُ أبـي
شمعون كوسا

علمتُ بأنّ محاولات الشمس قد باءت بالفشل في تمديد إقامتها بيننا ، لانها تلقّت أخيراً إشارات استغاثة صادرةً من بلدان يتناوب عليها الصقيع والثلج أغلب ايام السنة . بلاد الشمال هذه ، اذا انقشع ضبابها قليلا وأطلّت الشمس لدقائق ، فانها تبدو كطالب اللجوء الذي يكون بصحبة مهربّه ويخاف ان يرفع رأسه ، فالشمس اذا ظهرت قليلا تكون باهتة ومصحوبة بهواء بارد . حملتُ أكياسي وخرجتُ كعادتي لاكدّس فيها ما استطعت من اشعة الشمس التي غدت مادّةً مقنّنة لهذه السنة ، إنها ذكرتني بايام الاردن حيث كان الماء لا يزور البيوت إلاّ مرة في الاسبوع . بينما كنت ممتدّاً على الارض ، إتجهت عيناي نحو غيمة صغيرة تحولت الى صورة شخص يشبه ابي . كانت الصورة مشوهة غير انها توضحت شيئا فشيئا . فَرَكتُ عيوني لاتأكد من اني لست حالما ، واغلقتها لبعض ثوانٍ علّ الخيالَ الماثل امامي يبارح مكانه ، ولكني وقعتُ من جديد على نفس الصورة .
كان أبي صامتا ، فبادرته بالتحية وقلت له : أهلا بك يا أبي ، لقد اشتقت اليك كثيرا ، ما هو سرّ ظهورك ؟
قال لي : كنت اتابع جولاتك وقررت لقاءك اليوم للاطمئنان عليك ، وللتأكيد أيضا على بعض الحقائق والنصائح .
قلت له : تحدّث يا ابي لاني بحاجة الى كل ما ستقوله.
قال لي : سوف ابدأ من النهاية واقول : يا ابني اذا اردت ان تبلغ السعادة الحقيقية والعيش في هدوء وراحة بال ، إبحث عن الحكمة .
الحكمة يا ابني هي الحالة المثالية التي يبلغها الانسان من خلال معرفة النفس ومعرفة الاخرين أيضا، انها المعرفة المقرونة بالفضيلة التي توفقّك مع نفسك ومع الاخرين .
قلت له : وكيف لي ان ابلغ هذه الدرجة من الكمال ، دون المرور على فروع الفلسفة وتعابيرها المعقدة ؟
قال لي : إن الحكمة يا ابني هي مجرد حزمة دروس تستخلصها أنت من تجاربك ومطالعاتك وايضا من تجارب الاخرين .لقد بلغتَ عمراً يتيح لك إدراك الكثير من اسرار الحياة ، وقد مررتَ بتجارب كثيرة ، بعضُها نالَ رضاك ، وندمت على بعض آخر ، وكنت تتمنى الافضل في حالات اخرى .
مهما كنت حاذقا وصاحب تجربة ، انك تحتاج الى الاطلاع على تجارب الغير . لذا عليك معاشرة من كان اكبر منك سنّا لانك ستجد في اغلب الاحيان شخصا عاقلا يفيدك بامثاله وحكمه . أقوال الاوّلين وامثالهم هي حكم توصلوا اليها من تجاربهم وتجارب مَن سبقوهم .
في تصرفاتك اليومية يجب ان تعتاد على الهدوء والجنوح قدر المستطاع الى الصمت ، لان الندم لايفيد بعد كلام أدّى الى انجراح او انكسار .
حياتك ، مثلما كانت حياتي وحياة الاخرين ، محفوفة بالمخاطر والمواقف الصعبة ، ولقد احتجنا في كثير من اوقاتنا الى القليل من الصبر والهدوء والصمت ، ولكن ردود افعالنا كانت صادرة وسط غضب شديد ، فكان يقع الندم متأخرا. والحكمة تقضي ايضا ألّا تتوقف عند مظاهر الامور وقشورها بل تنفذَ الى الكُنه والجوهر ، حاولْ ان ترى كل شئ شفافا لتنفذ منه ولا تتفاعل مع ظاهره المُثير .
اننا نقلق كثيرا بسبب جهلنا لِما يخفيه الغد ، فالخوف ينام معنا ويصحو ، اننا نسعى الى عبور الجسر قبل بلوغه ، فنعيش فترة قلق في خيال ووهم ، وفي اغلب الاحيان لا وجود أصلاً للجسر الذي نخشاه .
هناك حقيقة ثابتة تقول ، بان ليس هناك مشكلة دون حل ، وتجاربنا وتجارب اجدادنا دلّت على حقيقةٍ مفادها بانه بالرغم من كل شئ كانت الامورتنتهي دوما بحلّ لم نكن نتوقعه. فالحمكة هنا تدعوك الى التفاؤل والصبر والتروّي .
يا ابي إن ما تقوله ليس غريبا عليّ ، ولكنه من الصعب جدا إخراجه الى حيزّ الواقع .
قال لي : انا اتوجه اليك شخصيا ، ويجب ان تسمعني ولا تقس نفسك بالاخرين . اذا نويت حقا على هدف فانك ستبلغه ، وهذا صحيح في مسعاك نحو الحكمة . إنصرف يوميا الى وقت تخصصه للتأمل ، والتأمل لا يقتصر على الممارسات الدينية ، انه وقت خلوة مع النفس تتيح لك المجال إعادةَ ما سمعته أو رأيته أو قرأته ، تقوم بتحليله والتأكد منه والتشبّع منه ، فتستخلص منه ما يفيدك ، وتخرج بقرارت تساعدك على التقدم في طريق الحكمة .
لقد فتحتُ معك موضوعا يحتاج الى سيل عارم من الكلام . لقد حان وقت انصرافي ولكني قبل ذلك ، أودّ القيام بتلاوة صلاة جميلة كنت معتادا عليها ، انها صلاة جبران ، هذا المفكر الذي لم يتفوّه بغير الحِكَم . ادعوك لتلاوتها كل يوم مع التفكير مليّاً بكلّ كلمة فيها ، لانها فعلا الحكمة الكاملة في الحياة ، فهي تقول :
- يا ربّ ساعدني على قول كلمة الحق في وجه الاقوياء ، وأن لا اقول كلمة الباطل لاكسب تصفيق الضعفاء.
- يا رب اذا اعطيتني مالاً فلا تأخذ سعادتي ، واذا أعطيتني قوة فلا تأخذ عقلي ، واذا أعطيتني نجاحا فلا تأخذ تواضعي ، واذا أعطيتني تواضعا فلا تأخذ اعتزازي بكرامتي .
- يا رب علمني ان احب الناس كما احب نفسي ، وعلمني ان احاسب نفسي كما احاسب الناس ، وعلمني ان التسامح هو اكبر مراتب القوة وان حبّ الانتقام هو اول مظاهر الضعف .
- يا رب لا تدعني اصاب بالغرور إذا نجحت ، ولا باليأس اذا فشلت ، بل ذكّرني أن الفشل هو التجربة التي تسبق النجاح .
- يا رب إذا أسأت الى الناس فاعطني شجاعة الاعتذار ، واذا أساء إليّ الناس فاعطني شجاعة العفو ، واذا نسيتك فأرجو ان لا تنساني .
وقبل ان يختفي ابي عن انظاري ، قال :
إذا ما توصلتَ يا ابني الى حفر أساساتٍ لكل كلمةٍ من هذه المناجاة ، وبنيتَ منازل لها داخل نفسك ، تكون قد بلغت الحكمة وستعيش سعيداً .

أضف تعليقك