القس يوحنا عبدالاحد شير – شمعون كوسا

القس يوحنا عبدالاحد شير
شمعون كوسا

لقد تجنبت التخصص حصراً في الكتابة عن الكهنة ورجال الدين ولكن القس يوحنا يخرج عن نطاق هذه الكتابات المألوفة ، بالاضافة الى انه صديق امضيتُ معه شخصيا ما لا يقل عن عشر سنوات كزميل دراسة أسبُقهُ بسنتين .

اننا امام شخص عظيم كان يجب ان يُكتَبَ عنه الكثير ومنذ زمن بعيد ، لان كلماتي الوجيزة والمتواضعة لا تفي الا بنسبة ضئيلة جدا بما يستحقه . اننا بصدد أحد ابناء شقلاوة البارزين ، ابن ، ذهبَ فداءً لشقلاوة ومسيحيي شقلاوة وكنائسها .

قُتِل القس يوحنا لانه اراد ترميم كنيسة شقلاوة القديمة التاريخية المبنية على تلّ عالِ يشرف على المدينة ويقسمها الى نصفين ، كنيسة تضمّ جزءً كبيرا من تاريح مسيحيي شقلاوة ، قُتل لانه ذهب قدُماً في غيرته وتحدى من كانوا يختلقون له الاعذار بهدف تثبيط عزيمته وصرف نظره عن انجاز هذا المشروع المقدس .

قُتل ، واعتبرناه شهيدا ولم ننتظر الفاتيكان لكي تعلنَه شهيدا ( واني استبعد كليا ان تفعل ذلك لانه سوف لن يُقَدَّم ايُّ طلب اليها بهذا الخصوص من قبل الرؤساء المحليين وأيضا لصعوبة هذا الاجراء وكثرة معاملاته المعقدة ولاعتبارات كثيرة اخرى) .
اعتبرناه شهيدا كما فعلنا من قبله للقديسة سارة وللشهيد اداي شير وعلى نطاق اوسع لقافلة شهداء المشرق الذين معظمُهم غير مقيدين في سجلات الفاتيكان ، لانه في مفهومِنا نحن ، من مات من اجل المسيح والمسيحية ، ومن فضّل الموت على التراجع عن مسيحيته وواجباتها، لايحتاج الى معاملات خاصة لكي يُصَنّف من احبّاء المسيح .

تمّ تخويف القس يوحنا وأرسلتْ اليه اشاراتُ عديدة لكي يتراجع عن جهوده ، ابتداءً من سرقة داره ولكنه لم يتزعزع ولم تخُر عزيمته ولم يهرع متذللا معلناً ندمه او طالبا حماية من كانوا وراء هذا العمل . لان هذه الجهات كانت معروفة لدى شعب عانى من جورها لعقود او قرون طوال .
لم يتنازل رغم التهديدات التي عقبتها والتحذيرات والتنبيهات التي اتت بعضُها من اناس قريبين من مُنفذّي هذه التهديدات ولكنه بقي صامدا ولم يرفع راية الاستسلام لانه كان واثقا مما يفعله ولم يتخيل ولو للحظة ان يبلغ الشر هذا المقام وان يُجازَى برصاصات الاجرام شخص يسعي لترميم بيت الله .
لقد عانى المسيحيون ومنذ القدم من هذه التصرفات الشائنة التي كان يمارسها الاقوياء ، لكي لا نقول شيئاً آخر، ضد المسالمين وليس الضعفاء ، قوم كان يمنعهم دينهم عن مقاومة الشرّ بالشر .

دخل يوحنا عبدالاحد معهد مار يوحنا الحبيب شابّاً صغيرا ، بهيّ الطلعة ، رخيم الصوت ، طيب المعشر ويحب الفكاهة والضحك وتخرج منه رجلا مكتملا نَضجت فيه نفس صفات صباه . انه شابّ قلما نلقى شبيهه بين اقرانه ، وفي الحقيقة انه لا يحتاج الى شهادة على ذلك ، لانه كان في رعيّته حبيب الصغير والكبير ، النساء والرجال والمسيحيين والمسلمين كافة . لا يمكن ان يلقاك الا بابتسامة عريضة يعقبها تعليق جميل ، خفيف الدم .

بصفتنا اكليركيين (تلاميذ السمنير) ، والان اتكلم عن نفسي ايضا ، لم يكن لنا الا العيش جنبا الى جنب حتى في العطلة الصيفبة ، حيث كانت الواجبات الدينية تفرض علينا حضور القداس اليومي صباحا والاشتراك في صلاة الرمش والمساهمة في التعليم المسيحي .
هذه الحياة المشتركة والعلاقة الوثيقة تحمل ذكريات جميلة وكثيرة ولكني لا اريد الاسترسال فيها .
ولكن اذا اردنا الايجاز بخطوط عريضة جدا نقول : كانت حياة السمنير معروفة لدى اهل شقلاوة لان كثيرا من ابنائهم درسوا في هذا المعهد . كان يغادر التلاميذ أواسط شهر ايلول في طريقهم الى الموصل ولكنهم يتوقفون في اربيل لتوديع اقربائهم المتواجدين هناك ، وكانت هذه محطة اجبارية. نفس العربة المستأجرة كانت تقلّهم الى الموصل حيث يُمضون تسعة اشهر كاملة في الدراسة . كان منهاج المعهد اليومي قاسيا ، يبدأ شتاءً وصيفاً على السواء في الساعة الخامسة والنصف صباحا بالصلاة والتأمل وتتخلل النهار دروس صباحية ومسائية بالغة الجدّية في مجال اللغات : الفرنسية والعربية والارامية واللاتينية بالنسبة لقسم الصغار ، والفلسفة واللاهوت والكتاب المقدس بالنسبة للكبار . تسعة اشهر معدومة تماماً عن أي نار او وسيلة تدفئة بالرغم من هبوط درجات الحرارة بعض الاحيان في الموصل الى اقل من خمسة او ستة تحت الصفر . بعد هذه الاشهر التسعة التي اكتفيتُ بوصف إطارها العام فقط ، كان يُعيد التلاميذ الكرّة في الرجوع بين الاهل للفترة الصيفية .

العودة الى شقلاوة كانت تعني فك القيود والحصول على مزيد من الحرية بعد هذه الاشهر المضنية ، وكانت تبدأ هذه الحرية مثلا ، في منتصف الستينات بالنسبة لي ، بامكانية تدخين السكاير .. فمنذ اللحظة الاولى ، وقبل استئجار السيارة التي تنقلنا الى شقلاوة ، كان احد التلاميذ يبتاع علبة دخان . كان يوحنا لا يحب التدخين ولكنه يشارك في سيجارة واحدة للمجاملة ، ولكنه من اول رشفة دخان كان يبدأ بالسعال .

باعتبارنا من اصل جبليّ ، وكان هذا النسب موضع فخر لنا في المعهد ، وبصفتنا نعرف بعض الاغاني الكردية ، كنا نُكلّف احياناً باداءِ بعض من هذه الاغاني التي كنا تؤديها بشكل ثنائي ، وكان يتم ذلك في نطاق احتفالات السمنيربمناسبتين مهمتين ، وهما عيد مار يوسف ، وهو عيد الاب يوسف اومى الدومنيكي، مدير المعهد، وعيد مار يوحنا الحبيب ،شفيع المعهد .

اريد فقط سرد حدث وجدناه غريبا في حينه . ففي سنة 1966 على ما اعتقد ، وبعد ايام قليلة من وصولنا الى المعهد ، استدعانا المدير المحلّي للمعهد (وكان حينذاك المرحوم القس اسطيفان زكريا) ، وابلغَنا بان مديرية امن الموصل ترغب في استجوابنا أنا ويوحنا . استغربنا للخبر ولكن دون ان يعترينا الخوف لاننا لم نشك بارتكاب اي خطأ او مخالفة ، وعلى اية حال كطلاب السمنير ماذا كان عساهم أن يفعلوا بنا . عند وصولنا هناك وانتظارنا لفترة طويلة جدا ، تمّ استقبالنا كلّ على حدة . وبدأت الاسئلة تنهال كالمطر ودون توقف : ما اسم ابيك وامك وعمك وعمتك وخالك وخالتك وبنيهم وبناتهم وازواج بناتهم وزوجات بنيهم واصدقائك وما هي اتجاهاتك ، لكي يصل المحقق الى السؤال المهم : لماذا ذهبتم الى الشمال ، الى منطقة ﮔـلالة وناو بردان وقرى المنطقة ؟ جوابنا كان تلقائيا ، اننا قمنا بسفرة مع زملائنا بقيادة كاهن المنطقة . وعقبهٌ السؤال الثاني الاهم : بمن إلتقيتم هناك ؟ كنّا طبعا قد التقينا بكثير من الناس ، منهم من كنا نعرفهم سابقا وآخرين تعرفنا عليهم هناك ، ولكن ابرزهم كان الخوري بولص بيدارو الذي كان قد التحق بالحركة الكردية ، ويقال بانه كان في المكتب الساسي . كان الخوري بولص بيدارو رجلا مشهورا ومشهوداً له بثقافته الواسعة ولكنه كان ذا طبع خاص جعله على خلاف شبه مستديم مع رؤسائه الكنسيين ،طبعا لم نُدلِ بهذه التفاصيل الاخيرة الى مسؤول الامن . استغرقت مقابلةُ كلّ واحد منا زهاء ساعة ونصف ، خرجنا منها نتصبّب عرقا ، بوجه شاحب وصدر يحتاج الى فضاء واسع يتنفس فيه الصعداء .

وانتهي بذكر لقاء طريف حضرتُه انا عندما كنت ارافق القس يوحنا في خروجه المعتاد بعد صلاة الرمش سيراً على الاقدام ، باتجاه باني نوكان .عشية ذاك اليوم كان قد قام نفر من الحاقدين بتدنيس المزار وسرقتِه . عند وصولنا الى مزار مار يوحنا صادفنا احد شباب شقلاوة ، المعروفين بسهولة انزلاق لسانهم . وبعد القاء التحية على القس يوحنا بادره بالكلام مباشرة وبحماس شديد : يا ابونا ، ألم يكن باستطاعة مار يوحنا ان يفعل كذا وكذا بهم ؟ وكان يقصد هنا صنيعا لا مجال لذكره !! . فما كان من القس يوحنا الا ان يضع يده على فمه ويقول له : خواﮔير ماتوو كاوى اتخه أمرت ؟ اعني سامحك الله كيف تتفوه بهذا الكلام ؟ وكان بعده ضحك طويل .
هناك الكثير من الاحداث والمواقف عن هذا الشخص العزيز ولكنى آثرتُ الكلام عن استشهاده أكثر من التركيز على ذكريات المعهد الكهنوتي لانها لا تُحصى . ولكني احب ان انتهي بهذه الكلمات : كان يوحنا صديقَ الجميع ، يبتسم للجميع ويحبه الجميع .هكذا عاش تلميذا وهكذا مارس حياته الكهنوتية الى اليوم الذي مات فيه بطلا ، ولكننا جميعا لا زلنا نرى ذلك الشاب الوسيم القادم الينا بابتسامته الجميلة ، فلنطلب اذن من شهيد شقلاوة الشجاع ان يقوّي عزمنا نحن الضغفاء .

أضف تعليقك